نبذة عن مدينة بكين
تقع بكين ــ عاصمة جمهورية الصين الشعبية فى الطرف الشمالى الغربى لسهل هوابى المترامى الاطراف ، و تبعد نحو 150 كيلومترا جنوب شرقى بحر بوهاى . و هى محاطة بجبل جيوندوشان شمالا ، و جبل شيشان غربا بحيث يشغل هذا الجبلان 62% من مساحة المدينة الكلية ، و اما القطاع الجنوبى الشرقى منها فهو عبارة عن سهل منبسط تم تكوينه من طمى نهر يونغدينغخه و نهر تشاوبيخه و هو ينحدر رويدا رويدا فى ناحية بحر بوهاى . و تعمر تلك الجبال بالموارد الخام امثالها الفحم و الحديد وغيرها من الخامات الاخرى لجانب حجر الغرانيت و الرخام و غيرها من المواد الانشائية الجيدة النوعية .
يقع قلب بكين عند خط عرض 39 شمالا و خط طول 116 شرقا حيث ينتصب شامخا عند الطرف الشمالى لسهل هوابى المترامى الاطراف و تحتضن المدينة سلسلة من الجبال غربا و شمالا و كذالك من الناحية الشمالية الشرقية بينما ينحدر سهل هوابى المترامى الاطراف نحو بحر بوهاى رويدا رويدا . و يرتفع سهل بكين عن سطح البحر بـ 20 الى 60 مترا على حين ترتفع مناطقها الجبلية عن سطح البحر نحو 1000 الى 1500 متر غير ان جبل دونغلينغشان يجاور مقاطعة خبى و الذى يرتفع عن سطح البحر بـ 2303 امتار فيعتبر القمة العليا لبلدية بكين . و تخترق المدينة الانهار الخمسة الكبرى و منها نهر تشاوبيخه و نهر بييونخه و نهر جييونخه فى الناحية الشرقية ، ونهر يونغدينغخه و نهر جيويماخه من الناحية الغربية . و تبدو الناحية الشمالية الغربية للمدينة اعلى قياسا الى ناحيتها الجنوبية الشرقية من حيث التضاريس . و يحتضن المدينة جبل شيشان الذى يمثل امتدادا لسلسلة جبل تايهانغ فى الناحية الغربية على حين يقع جبل جيوندوشان الذى يمثل امتدادا لجبل يانشان فى الناحية الشمالية ، و يلتقى هذان الجبلان عند مكان يسمى بـ قوانقو فى بلدة نانكو حيث يشكلان منحنيا جبليا نصف دائرى ينفتح تجاه الناحية الجنوبية الشرقية فيعرف لدى الناس بـ " منحنى بكين " ، و اما السهل الضيق المساحة الذى يلف المدينة فهو سهل بكين الصغير . و اذا القينا نظرة عامة على تضاريس بكين وجدنا المدينة يسند ظهرها على الجبال و يتفتح صدرها نحو البحر حيث تبدو فى غاية العظمة و الجلال . و قد صدق القدماء عندما قالوا : ان " ارض يوتشو تليق بكل جدار بلقب ارض الخيرات التى وهبها السماء حيث تحاط بالبحر يسارا و يحتضنها جبل تايهانغ يمينا ، و ترقد على بوابة جيوييونغقوان شمالا ،و يتفتح صدرها نحو النهر الاصفر و نهر جيشوى جنوبا " .
و يمثل جو بكين صورة حية لاجواء الرياح الموسمية القارية شبه المعتدلة و شبه الرطبة حيث تزورها الامطار فى فصل الصيف المضطرم من الحين الى الحين و يسودها الجو البارد الجاف فى فصل الشتاء بينما فصل الربيع يمر عليها بخطى عاجلة . و تتباين الاجواء فى المدينة من منطقة لاخرى بصور ملحوظة اذ تزور الامطار المناطق الواقعة امام الجبال من آونة لاخرى حيث تبلغ كمية الامطار 650 ــ 750 مليمتر سنويا على حين المناطق الواقعة خلف الجبال و المناطق الواقعة فى جنوب السهل لا ترى الامطار الا فى اوقات نادرة حيث تبلغ كمية الامطار 400 ـ 500 مليمتر سنويا . و تمثل كمية الامطار فى فصل الصيف 74% من مجموع كميات الامطار على مدار السنة . و اما معدل درجات الحرارة فى منطقة السهل فيتراوح بين 11-13℃ سنويا ، و تمتد فترة خالية من الصفيع و الجليد 190 ـ 200 يوما فى كل سنة بينما الدرجات المتراكمة التى تقل او تساوى عن ≥10℃ تبلغ نحو 4200 درجة . فيمكن القول ان بكين غنية بالموارد الجوية .
يبلغ عدد السكان المسجلين فى بكين 12.033 مليون نسمة عند نهاية عام 2007 على حين عدد السكان المتنقلين يصل الى 5.40 مليون نسمة بحيث يزيد المجموع السكانى فى المدينة عن 17.40 مليون نسمة . و يعيش فى المدينة ابناء الـ 56 قومية علما بان كلا من عدد ابناء قومية هوى و قومية مان و قومية منغوليا كل على حدة مليون نسمة . و من بين المعتقدات الدينية المؤثرة فى المدينة هى البوذية و الطاوية و الدين الاسلامى و الكاثوليكية و المسيحية و تجدر الاشارة الى ان البوذية و الطاوية و الدين الاسلامى سبق ان تركت بصماتها العميقة على بكين تاريخيا و ثقافيا و فنيا .
و تنقسم بكين الى 16 منطقة من المناطق المدارة مركزيا بالاضافة الى المحافظتين الاثنتين و هى منطقة دونغتشينغ و منطقة شيتشينغ و منطقة شيوانوو و منطقة فانغشان و منطقة تشونغوون و منطقة هايديان و منطقة تشاويانغ و منطقة فنغتاى و منطقة منتوقو و منطقة شيجينغشان و منطقة تونغتشو و منطقة شونـيى و منطقة تشانغبينغ و منطقة داشينغ و منطقة هواى رو و منطقة بينغقو بالاضافة الى محافظة يانتشينغ و محافظة مييون .
موجز عن تاريخ بكين
كانت بكين يطلق عليها اسم جى كما ورد فى الوثائق التاريخية التى تم تدويها فى قديم الزمان . و فى القرن الحادى عشر قبل الميلاد كان دويلة جى بمثابة سلطة اقطاعية تنضوى تحت راية مملكة تشو الغربية . و لما انتصفت فترة الربيع و الخريف ( أى فترة ما بين اعوام 770 ـ 476 قبل الميلاد ) فان دويلة يان ـ و هى تعد كذالك سلطة اقطاعية تنضوى تحت راية مملكة تشو الغربية ضمت دويلة جى ، ثم نقلت عاصمتها الى مدينة جى . و بقيت مدينة جى كعاصمة دويلة يانغ اعتبارا من ذلك الحين حتى عام 226 قبل الميلاد حيث اطاحت بها دولة تشين المنيعة الجانب . و تفيد اجتهادات توصل اليها علماء الآثار ان مدينة جى كانت يومها تقع فى القطاع الجنوبى الغربى من مدينة بكين اليوم .
اضحت مدينة جى حاضرة اسرة لياو عام 938 م علما بان دولة لياو تم اقامتها من قبل ابناء الاقلية القومية المعروفة بـ تشيدان التى صعد نجمها فى القطاع الجنوبى الشرقى من الصين . و تم تحويل اسم جى الى نانجينغ او يانجينغ كونها ان تقع عند الجزء الجنوبى من المناطق التى تسيطر عليها دولة لياو يومذاك . و بعد مرور قرن كامل و نيف فان اسرة جين التى انشأتها ابناء الاقلية القومية المعروفة بـ نيوى تشن اطاحت بدولة لياو ، ثم نقلت عاصمتها الى يانجينغ ، و تم تحويل اسمها الى تشونغدو . و عند حل عام 1214 تعرضت اسرة جين لهجوم شنه جيش قومية منغوليا الحديثة النهضة ، فاضطرت الى نقل عاصمتها الى بيانجينغ ( أى مدينة كايفنغ اليوم ) ، ثم اجتاحت الجيش المنغولى الجرار مدينة تشونغدو عام 1215 . و فى عام 1267 اصدر قبلاى خان ـ حاكم قومية منغوليا الاوامر التى تقضى بانشاء مدينة حديثة فى الضاحية الجنوبية الشرقية من تشونغدو . و بعد مرور الاربع سنوات صعد هذا الحاكم الى كرسى الامبراطور فى تلك المدينة الحديثة حيث انشأ اسرة يوان فى سياق تاريخ الصين . و قد تم انشاء المدينة الحديثة بكاملها عند حلول عام 1276 علما بانها هى بالذات تلك المدينة المعروفة بـ مدينة يواندادو و التى وصفها الرحالة ماركوبولو بين دفتى رحلاته بانها " مدينة لا ظير لها فى العالم من حيث الحجم " . و اعتبارا من ذلك الزمن حلت بكين محل كل من مدينة لويانغ ومدينة بيانليانغ و غيرهما من الحواضر القديمة ، فاضحت مركزا سياسيا فى البلاد و استمر هذا الوضع الى عهد اسرة مينغ و عهد اسرة تشينغ . و ثم تفجرت الثورة الديمقراطية التى تتولى امورها الطبقة البرجوازية الصينية فى 10 اكتوبر 1911 ، و اعلن امبراطور اسرة تشينغ عن قرار التخلى عن كرسيه فى فبراير 1912 حيث طوت بكين صفحة تاريخية كعاصمة للامبراطوريات المتعاقبة مع سقوط آخر الاسر الملكية الاقطاعية فى الصين .
و خلال اكثر من الثلاثين سنة التى تلت ذلك الحدث التاريخى طحنت مدينة بكين تحت وطأة المصائب و الويلات : الحروب الجارية بين امراء الحرب و التى كانت تتأجج نيرانها سنة بعد اخرى حتى يعترى عاصمة الامبراطورية الضعف و الوهن . و بعد ان احتلت مدينة بكين القوات اليابانية الغازية عام 1937 راحت هذا المدينة الاثرية تئن تحت وطأة الدماء و النيران لمدى الثمانى سنوات . ثم تولت حكومة الكوميناتانغ امور المدينة بعد ان خرجت الصين من حرب مقاومة الغزاة اليابانين منتصرة . و لم يجد الشعب الصينى فى تلك الايام سبيلا غير اللجوء الى وسائل التصدى و الصمود بعد ان اشبعته مرارة المآساة و الذل و المهانة و غرقه بحر من الدماء و الدموع حتى تم تأسيس جمهورية الصين الشعبية فى اول اكتوبر 1949 حيث دشنت هذه المدينة الاثرية صفحة جديدة كعاصمة للجمهورية الوليدة . و يمكن القول ان تاريخ مدينة من المدن تمثل تاريخ أمة من الامم اذ ان مدينة بكين باعتبارها كحاضرة للامبراطوريات المتعاقبة و عاصمة للصين الجديدة تعد صورة مجسدة لتاريخ الصين و الوضع الذى تعيشه اليوم . و يفوح من مدينة بكين عبق التاريخ فى الوقت الذى تعد فيه من احدى المدن التاريخية التى تشع جمالا و شبابا . و اليوم فان بكين راحت تظهر اما العالم بهيئة ملءها العظمة و الروعة و الحداثة و الروح العصرية .